لا تيأس ... حتى المحن تنتهي ..

تمهيد …

تطول المحنة

حتى يظن أحدهم أنها لن تنتهي 

 فيستيئس .. وينشر اليأس بين الناس 

وفجأة وبدون سابق اشعار

 تصبح المحنة، شيئاً من الذكريات 

ينقلها لأصحابه الذين بدورهم ينقولنها لأصحابهم 

وهكذا تتناقل الذكريات من جيل إلى جيل 

لتكون شاهدة على سنة الله في الإبتلاء 

وأنساً لمن يعيش المحنة من بعدهم

 

هنا البداية … 

كنت جالساً مع مجموعة من الصحاب الذين لا يمل الحديث معهم، ولا تسأم الجلوس إليهم وكان بيننا رجلٌ ذو بسطةٍ في الجسم ورجاحة في العقل و منطق جميل عند الكلام، وكان لهذا الرجل الجميل تجربة طويلة في المحنة امتدت لأكثر من ١٠سنوات، بدأها بقرار الهجرة من بلده بعد أن بدأت السلطة باعتقال صحبه، خرج فاراً بدينه وحريته وبصحبة زوجته وابنه، وكانت وسيلة الهجرة قارب صغير لا يسع إلا لأربعة أشخاص، رمته الأقدار على شواطئ إيطاليا التي عاش فيها سنوات بين شدٍ وجذب، كانت أيام إيطاليا شديدة عسيرة عليه و إن تخللتها أحياناً مواقف جميلة ، ولكن أصبحت كل تلك المواقف شيء من الذكريات، يتسلى بالحديث عنها عندما يجلس بين أصحابه، لا أستطيع أن أصف لكم تجربة العم سالم، لكن سأتركه يصفها لكم بلسانه:  

 

 

" كان يوم ٢٧ من شهر يوليو من سنة ١٩٩٩ وصل إلى مسامعي أن جهاز أمن نظام القذافي بدأ باعتقال أصحابي وكانوا من الأطباء والأستاذة والدكاترة وأيقنت أن الدور القادم هو دوري، سعيت جاهداً حتى استطعت تدبير مبلغ يسير اشتري فيه ثلاثة أماكن في قاربٍ صغير، يملكه أحد الأشخاص الذين يعملون على تهريب الناس بين ضفتي البحر المتوسط  وكنت حينها لاأملك شيأً يعينني على مشقة الطريق، فكل ما أملكه أصبح من نصيب صاحب القارب، اذكر تلك اللحظات تماماً لاأنساها وكأن شريط الأحداث يمر أمامي وأنا أحكي لكم أحداثها ... اليوم كان الثلاثاء والوقت كان قبل صلاة الفجر في عتمة الليل ، وكان ابني الصغير على كتفي أحمله نائما حتى لا يشعر بالفزع ، انطلقنا في القارب وكنت احفظ تعليمات صاحب القارب جيدا، كيف أركب القارب؟ وماذا أفعل اذا حاصرتنا قوات خفر السواحل؟  وما الذي علي فعله عندما أصل مبتغاي؟ 

 

وما هي إلا ساعاتٌ من الإبحار حتى وصلت بعائلتي إلى شاطئ إيطاليا وكان في انتظارنا رجلٌ لي به معرفة قديمة، استقبلني وأودعني شقته وهو يعلم أني لا أستطيع أن اسدد له قيمة إيجارها، فلم يسألني و لم أنوي أن أصارحه حتى لا أسبب لنفسي حرجٌ لا أستطيع تجنبه، قررت الجلوس في إيطاليا لكن بشكلٍ غير قانوني، لأن تعديل وضعي  فيها سيكلفني الكثير من المال الذي لا أملكه وكنت أمني نفسي أن أيام الغربة لن تطول ولكنها طالت. فقال لي صاحبي قبل أن يغادر شقته التي أسكنها: يا سالم هناك في آخر هذا الشارع بقالة صغيرة يملكها رجل طاعن السن عربي الموطن إسمه العم علي، اذا أردت أن تشتري شيأً فذلك هو المكان المناسب، ولكن انتبه من مفتشي الهجرة الذين يبحثون عن المخالفين بين حينةٍ وأخرى وأخشى أن يمسكوا بك" ثم سكت تاركاً في يدي مبلغ من المال ثم قال:" اذا أردت التبضع من البقال ، فقبل غروب الشمس من يوم السبت هو أفضل وقت" ثم ذهب و لم يخبرني حكمة ذلك التوقيت التي أجهلها إلى هذه اللحظة"

 

أخذت بنصيحته، وبدأت التبضع من البقال كل يوم سبت وصارت بيني وبين صاحب البقال العم علي معرفة لصيقة وصداقة جميلة، يعرف عني كل شيء ولا أعرف عنه إلا اسمه، يعرف من أين أتيت؟ ولماذا؟ وأسباب الخوف التي يراها على وجهي كلما دخلت عليه لكنه كان يتجنب السؤال مخافة إحراجي. كان يراعيني في الأسعار أحياناً وأحياناً يتغاضى عن سعر أشياء أخرى، العم علي صديق صدوق صادق الحديث. 

 

كنت لا أخرج من الشقة إلا في ذلك الوقت خوفاً من مفتشي الهجرة وأخذا بنصيحة صاحبي، طالت الأيام وشعرنا باليأس والملل ولا أخفيكم سراً أن التفكير في العودة لبلدي الذي خرجت منه مكرهاً يراودني كثيراً مع أني أدرك أن مصيري سيكون من مصيري أصدقائي الذين اعتقلهم القذافي ولا يعلم عنهم أحدٌ شيئا ولكن زوجتي كانت هي مصدر عزيمتي و ثباتي، فضلت البقاء معي بخوف في إيطاليا على أن نعيش في ليبيا متفرقين، لا تعلم شيئا عني ولا أعلم عنها شيأً. 

 

" لابد أن أفعل شيئا حتى أنهي هذا الوضع" كنت أحدث نفسي،"و لا يوجد لي من خيار إلا الهروب إلى الأمام، فالعودة أصبحت مستحيلة"، قررت بعد مشورة زوجتي أن أتركهم في إيطاليا وأذهب إلى بريطانيا أقدم على اللجؤ وأعدل وضعي القانوني في أوربا ثم اطلب لم شمل أسرتي. و فعلاً ، هذا الذي حدث، تركت إيطاليا مستقلاً شاحنة صغيرة  أخذتني إلى بريطانيا مرورا بسويسرا وفرنسا وتاركاً زوجتي هناك في معية الله ثم معية عائلة صديقي وأنا قلقٌ عليها، كان يراودني شعور يثبط من عزيمتي كثيراً  أن آخر لقاء لي بها هو ذلك اللقاء تحت سماء إيطاليا، ولكن أقدار الله كانت تخبىء شيئاً آخر، تخبىءالكثير الكثير من المنح، فما هي إلا شهورٌ قليلة بعد أن وصلت إلى بريطانيا حتى حصلت على اللجوءالذي من أجله أتيت وكان من حقي لم شمل أسرتي التي افترقت عنها ٩ شهور، أذكر تلك اللحظة التي وقعت نظرات عيني في عين زوجتي وابني من جديد في مطار جاتويك في مدينة لندن، كانت نظراتُ شوقٍ وسرور وخوفٌ وقلقٌ وكل أنواع الشعور الذي لم أفهمه ولا أستطيع أن أصفه ولم أشعر به من قبل وكنت أظن أن لن أشعر به من بعد، فالحمدلله الذي لم شمل عائلة تشتت. 

 

مرت الأيام وكنت مشغولاً في تكوين نفسي وتربية ابني ورعاية زوجتي ومحاولة تعويضها عن أيام القلق التي عاشتها في إيطاليا حتى أتى اليوم الذي ثار فيه الناس على نظام القذافي الذي استبد بالسلطة وظلم الناس وأخذ حقهم و صادر حريتهم و كنت أتابع الأحداث وهمي هو كيف حال صحبي الذين اعتقلهم،  هل ما زالوا أحياء، أم تخلص منهم في غياهب السجون، وما إن سقط القذافي في يد الثوار قتيلاً آخذين بثأر الملايين من الشعب، حتى قررت العودة إلى ليبيا والعيش فيها والمساهمة في بناء ما هدمه النظام السابق. و في يوم الأيام وقع اختيار النظام المؤقت لليبيا الثورة علي لأكون ضمن وفدٍ يذهب لإيطاليا لتنسيق إجراءات الهجرة بين ليبيا الجديدة وإيطاليا الجارة، وفعلا في ذلك اليوم المشهود الذي هو يومٌ من أيام الله، دخلت إيطاليا من مطارها الكبير و استقلبتني كما استقبلت الوفد كله الحكومة الإيطالية استقبالاً رسميا و انا الذي كنت أخشى منذ سنوات أن يراني ضابط التفتيش فيها ، هذه البلد التي دخلتها خائفاً هاربا أعود إليها مطمئناً أمناً وصلت الفندق الكبير و ما أن دخلت غرفتي و غيرت ملابسي حتى قررت الخروج مرة أخرى من الفندق لأرى إيطاليا التي لم أرها من قبل مع أني عشت فيها سنة كاملة.  وأنا على وشك الخروج من الفندق، رآني رئيس لجنة الاستقبال فأتى مسرعاً إلي قائلاً: المعذرة يا أستاذ سالم، إلى أين تذهب، فقلت أريد سيارة أجرة،  اريد أن أتجول قليلاً،  فقال لي: سيارة الأجرة لا تليق بك، خصصنا لك هذه السيارة مع سائقها، ستأخذك إلى المكان الذي تريد.

 

ركبت السيارة وكانت من طيراز المرسيدس فقلت للسائق: خذني إلى الشارع الفلاني، فأخذني وهو مستغرب من اختياري لهذا الشارع في ذلك الحي الفقير، لكنه لا يملك أن يمتنع وفعلاً، ما إن وصلت إلى الشارع المراد حتى قلت له:"قف"، فوقف أمام بقال العم علي الذي الذي لم أدخله من قبل إلا خائفاً والآن أدخله وعلى وجهي أثر الطمئنينة وما إن رآني العم علي حتى تلألأ وجهه فرحاً برؤيتي وأخذ يضمني إليه ثم همس في أذني قول الله تعالى:" واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره" (الأنفال،٢٦)

 

هذه الآية التي قرأتها كثيرا ولكني أفهمها لأول مرة، فسبحان الذي بدَّل ذلك الخوف بالأمن وذلك القلق بالطمأنينة ، وأصبحت أيام الخوف التي أكرهها .. جميلة ... جميلة ولكن أتمنى ألا تعود

 

انتهى