لأني أحبك

تمهيد ..

بعض العمل دافعه الرغبة

وبعضه دافعه الرهبة

أما أتقنه وأجمله …

فهو العمل …

الذي يكون دافعه الحب …

هنا البداية … 

كانت ليلة مظلمة من ليالي شهر محرم، النجوم تنير السماء بلألأتها المعتادة، وكانت لحميد – العشريني -عادة أن يقضي ساعات من اللهو في ليلة كل جمعة مع رفاق دربه وشبابه، لم يكن في هذا اللهو ما هو محرم ولم يكن فيه ما هو مفيد، وإنما هي ساعات يقضيها بلا هدف خوفاً من أن يقع في الفراغ الذي يُعَلِّم الإنسان العديد من العادات السيئة، كان حميد كباقي أقرانه، تائهاً في حياته لا يعرف قيمتها ولا يدرك مغزاها، يرى الحياة حِمْلاً ثقيلاً على كاهله، يعد أيامها منتظراً انقضاءها، هذا هو حميد الذي ودَّع رفاقه في تلك الليلة متوجهاً إلى منزله الواقع في أقصى القرية بجانب مسجد قديم متهالك البنيان، أخرج مفتاح البيت من جيبه ولكن الباب رفض الاستجابة لمفتاحه، أعاد الكرة مرة بعد مرة وهو كذلك في تلك الكرَّات سمع صوتاً قادمُ من جهة المسجد ينادي:

“إن تعذبني ، فإني لك محب، وإن ترحمني فإني لك محب”

أوقفته الكلمات وشدته معانيها، وسأل نفسه: كيف لإنسانٍ أن يحب من يعذبه؟ وهل هناك من يعذب حبيبه؟  سأل نفسه والصوت يتكرر قادمٌ من المسجد لا يعلم هل هو الصوت أم هو صداه … قرر التوجه إلى حيث مصدره، ليفتح باب المسجد ويجد في زاويته رجلاً طاعناً في السن لحيته بيضاء كثة مبتلة بدموع إنسانٍ نادم، جاثٍ على ركبتيه رافعاً يديه إلى السماء ، يلهث بالدعاء، وقف حميد متمعناً في هذا المنظر المهيب الذي لم يشهده من قبل قط

اقترب من الرجل بخطوات هادئة خفيفة، ليتأكد هل هو من أهل الأرض أم من أهل السماء، فلما قرب منه ناداه: “يا عّم … أيا عّم “

فمسح دموعه والتفت إليه مبتسماً بهدوء ثم قال: “تفضل يا ولدي”

فقال حميد :”أنا ابن هذه القرية ولم أرك هنا من قبل، هل أنت غريب عليها، هل تحتاج شيئاً”

فقال العم: “غريبٌ على هذه القرية كغربتك على هذه الدنيا، غربة مؤقتة، أتيتها بحثاً عن خلوةٍ أناجي فيها …من أحب”

ابتسم حميد ظاناً أنها شيء من مشاعر الشباب المتأخرة عند اللذين يبحثون عن حبٍ يملؤون به فراغ قلوبهم: فقال له: “ومن هذا الحبيب يا سيدي الذي يستحق هذه المناجاة في هذا الوقت من الليل … وفي هذا العمر”

“وهل هناك من يستحق الحب يا ولدي أكثر من الذي منحنا قوة الحب، وهل هناك مانحٌ لهذه القوة غير خالقها، وهل هناك خالقٌ غير الله ” رد العم.

“قوة الحب … مصطلحٌ جميل” قال حميد مبتسماً ثم أكمل “لكن يا عم غريبٌ أن أراك تناجيه قائلاً إني أحبك حتى لو عذبتني … ما ينفع الحب إذا لم يجلب لك الرحمة والسعادة، أَوَ يجد الإنسان في العذاب السعادة؟!”

ابتسم العم ثم قال:” أنا إسمي عبدالرحمن، ما أسمك يا والدي “

فقال: “معذرة لم أعرفك بنفسي، إسمي حميد يا عّم”

فقال العم عبدالرحمن: “من ينتظر المقابل من حبيبه فهو لا يحبه، إنما يحب المقابل الذي ينتظره”

فقال حميد: “ولكن الحب هو شعور قلبي لا أتحكم به ولا أستطيع أن أجبر قلبي عليه، لا سلطان لي على القلب”

“إذا كان الحلم بالتحلم والصبر بالتصبر فالحب كذلك بالتحبب” قال له العم عبدالرحمن ثم أكمل: “التحبب إلى شيء يبدأ بمعرفته، وإذا عرفته يا بني حق المعرفة سيجد قلبك إلى حبه سبيلا”

ابتسم حميد ابتسامة الشاب الذي لم يسمع عن الحب إلا في النطاق الذي يتحدث عنه العشاق، ثم قال: ” أنا أدَّعي يا عم أني أعرف الله، ولكني لا أشعر بالحب الذي تتحدث عنه، ولا أشعر أني أعبده لأنني فقط أحبه، قد أكون أحبه وقد لا يكون لي شعورٌ اتجاهه بمعنى الحب الذي نعرفه، ولكن أعبده لأنني أسمع أنه يعاقب العاصين بنارٍ تلظى وسيحاسبنا على أعمالنا وحتى أقوالنا”

فقال العم :”تعبده لأنك تخشى ناره كالطالب الذي يؤدي واجباته المدرسية خوفاً من الرسوب آخر السنة، لا تجعل علاقتك مع الله يا بني كعلاقة الطالب الذي يخشى أستاذه .. علاقتنا مع الله يجب أن تكون مختلفة مبنية على الحب لا على الرغبة أو الرهبة، الذين يعبدون الله، يعبدونه على مراتب مختلفة، هناك من يعبده طمعاً في جنته وهناك من يعبده خوفاً من ناره، وهناك من يعبده لأنه خالقه و واهب نعمه، وحتى أُقرب لك الصورة أكثر، أي الأبناء في نظرك أفضل، ابنٌ يسمع كلام أبيه لأنه يطمع في مصروفٍ يعطيه إياه اخر الشهر، أم ابنٌ يسمع ويطيع خوفاً من غضب الأب آخر المساء، أم الذي يبر أباه لأن يحبه”

“الثالث طبعا” قال حميد

“وكذلك هم العبَّاد يا بني” استطرد العم العبدالرحمن ثم صمت برهةً قبل أن يسأل: “ماذا تعرف عن الله يا ولدي، هل تعرف أسماءه وصفاته”

رد حميد: “هممم أعرفُ أن له تسعٌ وتسعون إسماً، لكن الحقيقة أني لا أعرف منها إلا الدارج، كـ الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المهيمن الجبار وبعض الأسماء الأخرى”

“أتسمح لي أن أختبر معرفتك بالله يا بني” سأله العم عبدالرحمن

 أشار حميد صامتاً برأسه أن أي نعم

“قُلْتَ أنك تعرف أن من أسمائه الجبار، فما معنى الجبار يا بني” … سأل العم عبدالرحمن

فقال حميد ” الجبَّار ، هو من الجبروت الذي يأتي من القوة … اعتقد “

“وهل للجبار معنىً آخر؟” ، سأل العم

” هذا الذي أعرفه “، رد حميد

“كيف تريد يا بني أن يحب قلبك شيء، عقلك يجهل أسماءه ولا يعي معاني ما يعرف منها” قال له العم عبدالرحمن ثم أكمل “للجبار يا بني معانٍ أخرى، فالجبار من الجبر أي يجبر الضعيف بالقوة، والكسير بالسلامة، والمنكسرة قلوبهم بإزالة كسرها”

قال حميد: “لم أكن أعرف أن لهذا الإسم هذا المعنى الجميل”

العم: “وهنا مكمن الخلل يا بني، لا يحب المرء منا ما يجهل، فالحب يا بني نوعان، حبٌ يقوده القلب وهو هشٌ مبنيٌ على العاطفة والظاهر وحبٌ يقوده العقل وهو حبٌ قويٌ وثيق مبنيٌ على المعرفة، علاقتنا مع الله يجب أن تكون علاقةُ حبٍ يقوده العقل الذي يبحث عن معرفة الله … فينقاد له القلب”

“وكأنك تقول يا عم أن الحب هو دافع علاقتنا به” سأله حميد

“للحب يا بني قوة عجيبة، تدفع بصاحبها نحو الطاعة،  نحن لا نراها ولكن تؤثر فينا فالأم تسهر على راحة ابنها لأنها تحبه لا لأنها تنتظر منه مقابل أو تخشى غضبه عليها، والابن الصحيح هو الذي يسمع كلام أمه لأنه يحبها حتى لو غضبت عليه … حتى لو ضربته .. فإنه سيبقى يحبها، تخيل لو لم يكن هذا الحب موجود، فكيف ستكون هذه العلاقة بين الإبن وأمه؟!”

“ولكن هناك من الأبناء من لا يحبون أمهاتهم”، سأل حميد

” لا يحبها لأنه يجهل قيمتها فتنهار هذه الرابطة … رابطة الإبن بأمه، وكذلك هناك يا بني من لا يعرف قيمة الله في حياته ، فلا يجد الحب طريقاً إلى قلبه، فتكون هذه العلاقة مبنية على الرغبة والرهبة و قد لا تكون “

” أعجبني كلامك يا عّم، هذه الليلة ليست كباقي الليالي … تعلمت فيها منك أن هناك قوةٌ في داخلي قادرةٌ على أن تجعل علاقتي مع الله أوثق وأدوم، هذه القوة تتحرك إذا غذيتها بالمعرفة .. تأكد يا عم أنِّي سأبدأ بالسعي إلى الله … بمعرفته … معرفة أسماءه ومعانيها إسماً إسما”

وحميد مسترسل في كلماته مستمع بحديثه مع العم عبدالرحمن ، نادى منادي أذان الفجر .. فقال له العم عبدالرحمن ” يا بني .. أذن المؤذن واجعل من هذا الآذان إيذانٌ بعلاقة حبٍ جديدة مع الله يقوده العقل بالمعرفة فينقاد له القلب طوعاً بالحب “

انتهى …