العابرون الذين لا يرحلون

تمهيد …

ليست حكاية حقيقية …

أو هكذا أدَّعي

وليست من نسج الخيال

وإن كان للخيال دورٌ في نسجها

هي بين هذا وذاك

لها بداية …

وإذا سألتني عن نهاية الحكاية ..

فلم أصل إليها حتى الآن..

أو هكذا اتمنى

هنا البداية …

رآها بقلبه … فازدهرت في عينيه… وابتسمت لها شفتاه … لم تكن تراه .. لأنه لا يراها إلا في خياله … كانت بعيدة ولولا الخيال ذات القوة العجيبة … مُقَرِّب المسافات البعيدة …لما كان له بها لقاء ..  فكان يقضي معها الساعات الطويلة … يجلس على طاولة مستديرة يطلب فنجانين من القهوة واحد له والثاني لها لتشربه في خياله … يرتشف قهوته بشفتيه وينظر إليها بقلبه … يحادثها بلسانه وقلبه يسمع لها وينصت … فكان لا يراها إلا جميلة كاملة  ككمال القمر في منتصف شهرٍ هجري أو أكثر من كماله بقليل …هي لم تكن مصدراً لسعادته وحسب بل كانت مصدرا لكل قوته … وإذا كانت الشمس مصدرا لطاقة الإنارة … فهي كانت مصدرا لطاقة فكره وكانت كذلك وقوداً للإرادة

في ذات ليلة سألها وهو يرتشف قهوته في خياله معها كعادته: ما الذي تفعله فتاة كمثلها بعيدةً عن وطنها فقالت: “وطني حيث أجد نفسي وأجد لها حريتها الإنسانية فلا معنى للإنسان بلا حرية، ونحن في هذه الدنيا أين ما حللنا كنَّا غرباء ونحن هنا لنبحث فيها عن ذاتنا الإنسانية … الإنسانية التي لا تكتمل إلا بالحرية

هنا اكتمل جمالها في نظره … اتحد جمال روحها بجمال جسدها فأصبحت أكمل ولم يكن يعرف أن يستخدم فعل أفعل للكمال إلا في هذا الموقع

تبسم وقال: “ولكن انت تتركين دعة العيش ورخاء الحياة حيث أن فتاةً كأنتِ يمكنها أن تعيش في أجمل مكان بدعةٍ ورخاء من دون عناء بحثاً عن حرية ذاتها التي يمكن أن لا تدركها فلا هي استمتعت بشبابها ولا هي ادركت إنسانيتها “

فقالت: “لكل هدفٍ ضريبةٌ وكلما ازداد الهدف سمواً ارتفعت تكلفته… وهل في نظرك أن هناك ما هو أسمى من أهدافٍ إنسانية؟! .. الأهداف لذواتنا الإنسانية هي ليست أهدافٌ شخصية و إنما هي كما تلفظها … هي للإنسانية، فمن البديهي أن يكون ثمنها كبير..  ندفع تكلفتها من أيامنا وأوقاتنا ونفارق لأجلها أحياناً … أحبابنا”

الحرية حَمَّالةُ أوجه” قال لها وأكمل: “هناك من ينادي بها ويسعى لها من أجل تحرر جسده لا حرية روحه وهناك من يستخدمها ليتحرر المجتمع من قيمه وسلوكه و منهم من يستخدمها ليهدم دينه وقليلٌ هم الذين ينادون لها من أجل قيمتها الإنسانية

الحرية أصل الإنسان” قالت” وهذه الأوجه التي تتحدث بها وعنها ما هي إلا اختيارات هذا الإنسان الذي اختارها بناء على حريته ، وأما الحديث عن استخدام الحرية لهدم إيمان الإنسان وقِيَمِه الإنسانية ما هو إلا كلام جاهل لا يعرف ذاته الإنسانية فالإنسان الحر سيختار بفطرته القيم السامية والإيمان السليم.. فلا إيمانٌ حقيقي بدون حرية”

ولكن إن لم تدركي هذه الحرية “… سألها

على الأقل رفضت أن أبقى في العبودية وأن أخبر من يأتي من بعدي ومن يراني له مثلا بأن البقاء في العبودية ليس هو الأمر الطبيعي” ردت عليه وسألته” أليس أفضل تقديراً للهدية هو استخدامها والحفاظ عليها ؟! “

قال:” نعم ولكن ما علاقة سؤالك بموضوع نقاشنا

قالت:” وهبني الله الحرية، أسعى إليها تقديراً لواهبها “

فقال لها: “لكن ماذا عن ….”ثم قاطعه صوت يقول له: “هذا الحساب يا سيدي، ونحن على وشك أن نغلق المقهى لهذا اليوم “

فنظر إلى ساعة الجدار ليرى أنها الساعة العاشرة ليلاً … فقال في نفسه:“مرت الساعات الثلاث … ما اسرع دقائقها”

أخرج محفظته من جيبه، سدد قيمة القهوة وألقى نظرة إلى فنجانها الذي لم تكن موجودة لتشربه .. ثم انطلق متوجهاً إلى بيته

***

في الطريق دار حديثٌ طويل بينه وبين نفسه ،أو بمعنى آخر … بين قلبه و عقله

فقال العقل له: “ما لذي تفعله بنفسك يا مسكين ، تقضي الساعات الطوال وأنت تتخيل مجالسة أنثى لا تراها ولا تراك و لا تسمع إليها ولا تسمع إليك “

فقال القلب :”ومن قال لك أني لا أراها وأنها لا تسمع لي … فنحن اصحاب القلوب نتخاطب ونسمع بعضنا بعضا ونرى بعضنا بحواسٍ منحنا الله إياها … حواسٌ لا يحدها حاجز ولا يعوقها مسافة بعيدة، أما أنتم اصحاب العقول فأنتم المساكين، فقدراتكم على السمع والبصر محدودة “

سكت العقل برهةً ثم قال: “ما الذي تريده من مجالستها في خيالك “

“أتخيل مجالستها لأفهمها “… رد القلب

“أنت تتخيل ما تريده فيها و لا تتخيل حقيقتها وتسمع ما تريد أن تسمعه منها ولا تسمع ما تقوله لك” رد العقل وهو يضحك بسخرية “بالإضافة إلى ذلك الفروقات بينكم كثيرة، فأنت تكبرها بعقدٍ وأيامٍ قليلة”

” أنتم اصحاب العقول تعدون الأعمار بمرور الأيام والسنوات “رد القلب “ولكن أعمار الأرواح لها حسبة مختلفة، فالأرواح تكبر بالمعرفة وكلما كبرت أصبحت أكثر يفاعةً وأقوى فتوة … الأرواح يا سيدي لا تشيخ”

“عندما أسمعك أشعر أنك تتحدث عن أهل الجنة “… قال العقل

فرد القلب: “ما بالك بروحٍ تسكن قلبها”

“أرى أن تجلس إليها حقيقةً لتعرفها على حقيقتها لا على ما تتخيلها ، لعل أن يساعدك ذلك في أن تعيش الواقع ، بفهم أهل الأرض لا بفهم أهل الجنة”بهذه النصيحة ختم العقل نقاشه

****

قرر أن يأخذ بنصيحة عقله وأن يدعو رفيقة خياله لجلسة حقيقية … جلسة يراها بعينه ويسمعها بأذنه لا بقلبه

وفي تلك الليلة الموعودة وفي ذات المقهى الذي كان يتخيلها فيه وعلى نفس تلك الطاولة المستديرة جلست هي وجلس هو مقابلها وأحضر صاحب المقهى الطلب كعادته ثم قالت له: ماذا تعرف عني؟!

فقال: “أعرف عنك كل شيء يعرفه الخل عن خليله.”

قالت: “ولكني لست لك خلاً ولا أذكر أننا تقابلنا إلا مرة وكانت معدودة الدقائق، فمن أين لك الادِّعاء بتلك المعرفة اللصيقة” ثم ابتسمت ابتسامة كان يراها في خياله ولم يشعر بها إلا هذه اللحظة …

قال: “نعم … كانت معدودة الدقائق .. وكان اللقاء الأول والوحيد أم الروح التي أحملها بين أضلعي فكانت وكأن لها سابق معرفة بروحك … فالأرواح جنودٌ مجندة … تعرف بعضها قبل أن نعرف بعض”

ثم سكت وسكتت مستغربة حديثه

فأكمل: “أنتِ كنتِ في خيالي منذ ذلك اللقاء ذات الدقائق المعدودة وبعد صراعٍ طويل بين نفسي وذاتي، رغبت في أن يكون هذا اللقاء حقيقة حتى أفهمك بمعايير أهل الأرض، فهناك من يقول أن كل شيء يجعل المسافة بيننا بعيدة ولولا الخيال ذات القوة العجيبة لما عرفت عنكِ شيئا وقد يكون كل ما تخيلته عبارة عن سراب .. كلما اقتربت منه ابتعد”

قالت: “وما الذي جعلك  تنقل هذا اللقاء من عالم الخيال إلى عالم الحقيقة”

قال: “جربت الخيال بصمت فتعبت، فكنت أحادث نفسي وابتسم أحيانا وحدي مما جعل من يراني من بعيد يحذر أبناءه مني وكأني ناقص عقل، لذلك قررت تجربة البوح .. لعله يزيح عن كاهلي ثقل الخيال فيما ليس لي عليه سبيلا  … والصراحة لا أعلم إذا كان هذا البوح سيساعد في التخفيف منه أم أنه سَيُثْقِلُه 

قالت: لأكون صادقه معك فإني ما زلت أحاول استيعاب كلماتك لكني أشعر بالإطراء بأن يأتي مثل هذا الكلام لي من شخصٍ مثلك .. حدِّثني أكثر حتى استوعب أكثر ..

فقال: “أعاني من أعراض شعور لا أعرفه وكأني حديث عهدٍ به  ولا أعلم إذا كان من الصواب أن يشعر مثلي بهذا الشعور اتجاهك .. فالفروقات كثيرة والمعوقات كبيرة وقد يكون كل شيء – بمعنى كل شيء – يجعل من هذا الشعور حالةٌ شاذة ولكن حسبي أن هذا الشعور أحياناً  لا يأبه للفروقات ولا ينظر إلى المعوقات .. وفي بدايته اعتقدت أنه شعورٌ عابر ولكنه لم يعبر .. وإذا كنتِ تريدين الحقيقة فإنني على قدر ما أتمنى زواله، أتمنى بقاءه … إنها حالةٌ من المشاعرُ المتمازجة المتنازعة”

 

“مسرورة بكلماتك”ردت بكل ذوقٍ مما جعلها تكبر في نفسه أكثر “ولو كنا في الخيال حقاً حيث لا وجود للحواجز ولا المسافات البعيدة ولا المعوقات الواقعية لما شعرت بصعوبة أن أجد للشعور الذي تحمله كلماتك مطرحا في نفسي ولكننا أصحاب هذه الأرض، فيها نعيش و وفق قوانينها وسُنَنِها نحيا .. وحديث الأرواح لا يليق إلا بأهل الجنة، حيث تذوب الحواجز وتنكسر العوائق … “

هنا أدرك رجاحة عقلها .. وهذه ميزة غابت عنه في خياله وعلم أن هناك من النساء من هنَّ أعقل من عشرةٍ من الرجال … وأن رجاحة العقل ليست صفة مقصورة على الرجال … كما يدَّعي بعضهم

فقال: “أعذريني فقد جرأتني ابتسامتك في لقاءنا الأول وجرأني لطفك ويغلب على ظني أنها صفة أصيلةٌ فيكِ وأنِّي فهمتها على غير مقصدها، أو في الحقيقة، فهمتها على المقصد الذي كنت أتمناه”

فقالت: “لا بأس عليك، فنحن نغرق أحيانا في أحلامنا ولكن أراك تتحدث كثيرا عن الخيال وكأنك تمارس هذه الرياضة أحيانا كثيرة”

ابتسم وقال:“الخيال هو القوة العجيبة وهو الطريق السريع بين القلوب التي لا يمكن ان تلتقي أجسادها كما يلتقي أهل الأرض، وفي الخيال تستطيع أن ترى وطنك جميلاً وأن تعيش في المدينة الفاضلة حيث لا حزن و لا هم كما يحلم أفلاطون، وفي الخيال تستطيع أن تعيش حياة أهل الجنة وأنتِ على هذه الأرض، ولا يتخيل السوء إلا المتشائمين واسأل الله أن لا يجعلنا منهم”

وكعادته في الساعة العاشرة، قاطعه صاحب المقهى مهامسةً أنهم على وشك الإغلاق مُفْسِداً عليه حديثه في فلسلفة الخيال،  فقام وأخرج محفظته وسدد قيمة القهوة وألقى نظرته إليها وقال: يبدو أنه اللقاء الأخير وأن معرفتنا كانت سريعة عابرة”

ابتسمت صامتة ثم أكمل …

ولكن بعض العابرين في حياتنا لا يرحلون ..”  وبعدها افترقا …

انتهى …