الوطن المفقود

تمهيد … 

حكاية ..  تدور أحداثها في سنة 2040 ميلادي (أي تقريبا بعد ٢٠ سنة من تاريخ كتابتها) تعالج قضية وطنية تخص دولة الإمارات العربية المتحدة تحديدا ودول الخليج العربي عموما وهي التركيبة السكانية وبيع أراضي الوطن

هنا البداية .. 

في مدينة هادئة ليلاً، مكتظة بالبشر نهارا، تجمع بين الحضارة والتراث، وتربط الشرق بالغرب، في كل زقاقٍ من أزقتها تاريخ مكتوب، وتحت كل طوبة من طوباتها حكاية من حكايا التاريخ، هذه المدينة رغم عراقتها لكنها لا تشيخ، مفعمة بالنشاط كشاب في عقده الثاني، كانت عاصمة لأهم إمبراطوريات الدنيا على مر التاريخ، جُمِعَت فيها الدنيا وقيل عنها “لو كان للعالم عاصمة، لكانت هي.. ” اشتهرت بالعديد من الأسماء المختلفة منها الاستانة “عتبة السلطان” ودار السعادة والقسطنطينية، وعرفت مؤخرا بإسطنبول..

في هذه المدينة قضى حميد خمساً وعشرين سنة من عمره، قضى أول خمسِ سنوات منها تائها في الواقع الجديد الذي يعيشه يبحث فيه عن ضالته، يبحث عن نفسه، أين هو، ولماذا هو هنا، وهل هو في المكان الصحيح؟ وهل عليه العودة من حيث بدأ أم يكمل الطريق حيث انتهت به الأقدار، وفي يوم من الأيام وهو يمشي في أزقتها، يفكر في نفسه، سمع المنادي أن “الله أكبر الله أكبر”فتذكر أبيات من الشعر سمعها منذ سنواتٍ عديدة، وكأنه سمعها في ذاك اليوم من أجل هذا اليوم، أبياتٌ تنسب للشاعر العباسي أبي تمام الطائي:

“أينما ذكر الله في بلدٍ،عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني”

 في هذه اللحظة وجد نفسه، وجد ضالته وطريقه، قرر الاستمرار وأن يكمل المشوار،  ويرضى بالحياة الجديدة التي ارتضاها الله له، قرر أن تكون له هذه المدينة -التي وجد نفسه فيها من غير حولٍ منه ولا قوة – وطنه الجديد، أصبحت هذه المدينة له وطن.

بدأ من جديد، فتح الله له فيها باب رزق، أسس شركته الخاصة ، اجتهد في البذل فاجتهدت له الحياة بالعطاء، كتب الله لشركته النجاح واستمرت الحياة ..

 رُزق حميد في وطنه الجديد ببنات ثلاث، مهرة التي هي في السادسة عشر من العمر الآن وموزة في الثالثة عشر وأما مريم فهي على أبواب أن تنهي عقدها الأول وابنه الصغير هادف فهو يكمل عامه الخامس الأسبوع القادم، أطفال كبروا لكن ليس كما يكبر باقي الأطفال، منحهم الله تجربة لم يمنحها غيرهم، تعلموا العربية في البيت، والإنجليزية من المدرسة، أما التركية فكانت من رفاق الحي .. نظروا إلى الحياة بعين تختلف عن عين أقرانهم. إنها المنحة الربانية التي يعيشونها كانت في نظر الآخرين محنة، فالحمد لواهب المحن والمنح

في يومٍ صيفي جميل ممطر، الشمس تختبئ خلف السحاب أحياناً وأحيانا تخرج على حياء فتنشر دفئها الجميل، كان يوما ليس كباقي الأيام – على الأقل هذا ما كان يشعر به – عاد من عمله بعد يوم طويل في شركته، عاد إلى منزله الصغير وقد ظهرت عليه علامات التعب والإرهاق، فتح الباب بمفتاحه الصغير كعادته، لكن هذه المرة كان في استقباله زوجته فاطمة التي قضت ٢٢  سنة معه على حلوها ومرها، استقبلته بابتسامة وأخذت عنه ابنته موزة حقيبته الصغيرة التي فيها حاسبه الآلي وبعض الأوراق الخاصة بالعمل وعدد من الصور القديمة، اصطحبته مهرة إلى غرفة الطعام – شعر حميد أن هذا اليوم ليس كسائر الأيام، يوم مختلف لكنه كان يجهل  السبب – دخل غرفة الطعام ليجد على الطاولة  قطعة من الكعك التركي اللذيذ المغطى بطبقة من الشكولاتة وعليها قطع من المكسرات المبشورة التركية اللذيذة وفي طرف من أطراف الكعكة شاهد بطاقة صغيرة مكتوب عليها “يوم سعيد يا بابا وعقبال مئة عام” وبجانب هذه العبارة، الرقم المكون من خانتين – ٥٠ – كان هذا اليوم هو يوم ٣-٣-٢٠٤٠ ، نسي أو تناسى حميد أنه في مثل هذا اليوم قبل ٥٠ سنة خرج إلى الحياة، الحياة التي بدأها في إمارة صغيرة على ساحل الخليج – الذي كان يُعرف بالخليج العربي، تعلم في مدارسها ولعب في أحيائها البسيطة، لم يكن في هذه الإمارة الصغيرة حدائق مخصصة للعب فكل مكان فضاء بالنسبة له ولرفاقه (صالح وعادل وسعيد) هو حديقة مخصصة للعب، كان يشعر أن هذه الأرض الفضاء هي ملكه وإن لم تكتب ملكية الأرض باسمه، كان يكفي أن يشعر أنه الأرض له وطن –  فيشعر بملكية الأرض له، كان يعتقد أن هذه الأرض ستبقى له ولرفاقه مدى الحياة وستبقى لأبنائه من بعده ولأبناء أبنائه، ولكن كل يوم يمر على حميد كانت مساحة هذه الأرض الفضاء تصغر وتتحول من أرض فضاء إلى أبراج عالية يسكنها ويملكها أناس غرباء لا يعرفون لغتهم، ولا يحترمون هويتهم، ومع مرور الأيام لم يبقى لحميد ورفاقه في هذه الإمارة الجميلة .. أرض فضاء …

وبالرغم من قصر شواطئ إمارته الصغيرة وبساطة ترابها إلا إنها كانت الأجمل – في نظره على أقل تقدير- كان لهذه الشواطئ نصيب من وقت حميد ورفاقه،  كل يوم من فصل الصيف بعد صلاة الفجر يقضيها بين لعب كرة القدم والسباحة في الخليج.. وهو يقلب شريط الذكريات، مر عليه طيف الليالي التي كان يصحبه والده فيها إلى الخليج للسباحة ليلاً … نعم ليلا وللسباحة.. كانت هذه الشواطئ وأمواج بحرها حتى في الليل آمنة كشعور الإنسان في بيته.. ولكن حتى هذه الشواطئ لم تسلم من عوامل التعرية البشرية، تغيرت ملامحها وتحولت من شواطئ رملية إلى محميات سياحية بسبب جشع حكامها وغفلة أهلها .. نعم..  بسبب غفلة أهلها .. 

وهو يتذكر شريط ذكرياته في هذه الامارة الساحلية، قاطعته مهرة وهي لا تعرف بماذا شرد ذهن والدها وقالت: “لا نراك سعيدا في هذه اليوم”ثم ابتسمت واستكملت: “أم هو الشعور بأنك دخلت العقد الخامس” … ابتسم حميد لابتسامتها وصمت برهة قبل أن يستطرد قائلا: “أسعد كلما أتذكر أني بينكم أحزن كلما أتذكر هذا اليوم، ليس لأني بدأت العقد الخامس فيه، بل لأن لهذا اليوم ذكرى حزينة على قلبي

الهدوء عم المكان، اختفت الابتسامة التي ارتسمت على وجوه البنات الثلاث..  البنات ينتظرن من والدهن إكمال الحديث والأب ينتظر منهن بدء هذه الحفلة الصغيرة، حتى لا يُفسد هذه الابتسامة التي ارتسمت على وجوههن، لكن مهرة الجريئة الشغوفة بالمعرفة قالت: “ذكرى ماذا يا أبي، لم تحدثنا عنها من قبل، هل هي وفاة قريب أم مرض عزيز، أم…” آشار إليها بيده أن اصمتي..

كان واضحاً على حميد علامات التردد.. هل يفسد هذه الحفلة بهذه الذكرى أم يتجاهل السؤال مدعياً عدم سماعه.. حاول التجاهل لكنه فشل بسبب إصرار مهرة، الشغوفة بالمعرفة، مع إصرارها قرر الحديث.. لكن باختصار يكفي ليشبع شغف ابنته – فقال: “يا غاليتي، في هذا اليوم وقبل ثلاثون سنة تم بيع ٤٥٠ كم٢ من أرضكم دفعة واحدة بموجب “القانون المشؤوم”، تنازلنا عن أراضي كانت تسمى جبل علي، ند الشبا، الروية ، أم هرير و غيرها من الأسماء العربية الجميلة التي كان يطرب الواحد منا فقط لسماع اسمها” 

أخذ حميد نفساً عميقاً وسكت …

وساد الصمت قبل أن تقاطعه مهرة مرة أخرى: “أكمل يا أبي”..فقال وفي عينيه دمعة وفي صوته عَبْرَة: أكمل ماذا يا حبيبتي.. لنعود للحفلة والكعكة.. لنبستم“.. ابتسم وابتسمن وذهبت زوجته لإحضار السكين وقام حميد بقطع الكعكة.. أكل الجميع بابتسامة جميلة مرسومة على وجوههن، إلا مهرة، كانت شاردة في حديث والدها الذي أثار فضولها وشغفها بقصة هذا “القانون المشؤوم” كما يسميه حميد..

شكر حميد بناته على هذه الحفلة، ولم ينسى زوجته التي كانت له الدور في تربيتهن، وطبعا كان لهادف نصيب من الشكر على شكل قبلة صغيرة على رأسه وضمة إلى صدره، انصرف الجميع إلى غرفته وكذلك انصرف حميد …

بعد ساعة خرج من غرفته كعادته ليمر على أبنائه ليطمئن عليهم قبل النوم … مر على هادف حيث أن غرفته كانت الأقرب لغرفته فوجده غارقاً في النوم، ابتسم حميد وقبله على رأسه وقال لنفسه: “ليتني كنت طفلا، بالي من الهموم خالِ.. ما أسرع نومك يا هادف الله يحفظك يا حبيبي”

غطاه جيداً وخرج متجهاً إلى موزة ومريم في غرفتهن وسمعهم يرددن “باسمك اللهم وضعت جنبي وبك ارفعه، فإن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين” توجه إليهن ليأخذ حقه في “قبلة قبل النوم” وقالوا له: “راضٍ عنا يا بابا؟” .. ابتسم وقال:” وكيف لا أرضى على أمثالكن.. تصبحون على خير يا أجمل من في الكون

 خرج بهدوء متجها إلى غرفة مهرة.. طرق الباب.. لكن لم تجب، فظن أنها في الصلاة، فتح الباب بهدوء فوجدها جالسة على سجادة الصلاة وقد انهت ركعة الوتر، متجهة بجسدها نحو القبلة، تنظر من خلال النافذة التي أمامها إلى القمر المطل عليها من جهة الشرق.. فقال لها: “وقت النوم يا أميرتي..” سكتت ولم تنظر إليه ثم قالت ” أبي هل المدينة التي حدثتنا عنها في هذا الاتجاه” وأشارت نحو القمر اتجاه الشرق واستطردت و قالت: ” يا ترى ماذا يفعل الغرباء في أرضي وعلى وطني، لماذا باعوا حقي من هذه الأرض بدون موافقتي، لماذا باعوا ما لا يملكون لمن لا يستحقون، لماذا لم يفكروا فينا،  في الأجيال التي بعدهم.. لماذا رضيتم يا أبي بهذا البيع.. أين كنتم، تعلمنا منكم أن نأخذ على يد الظالم، أو ليس من الظلم أن يبيعوا ملك غيرهم، لماذا تقولون ما لا تفعلون، لماذا لم تأخذوا على يد من ظلمنا واغتصب أرضنا وباع حقنا ..”

أين ولماذا وكيف؟؟!! هذه الأسئلة التي كانت تطلقها مهرة كالرصاص على صدر والدها وهي تنظر إلى القمر وحميد واقفٌ خلفها.. اتجه نحوها بخطوات هادئة، احنى ركبتيه وربت على كتفها وقال: “يا ابنتي هذه حكاية طويلة بدأت قبل هذا القانون المشؤوم ولم تنته إلى اليوم، هذا القانون يا أميرتي ما هو إلا إعلان رسمي لبداية النهاية” ربت على كتفها و وقف ثم استطرد ” مهرة، إنها حكاية طويلة.. اخلدي للنوم يا غاليتي ولنكمل الحكاية في يوم آخر، الامتحانات على الأبواب، لا تشغلي نفسك بحكايا التاريخ واهتمي بدراستك

سكتت مهرة ولم تلتفت إليه، لم يعجبها الرد، كانت تبحث عن المزيد فقالت وآثار القهر واضحة في نبرتها وكأنها لم تسمع لكلام والدها: ” قل لي يا أبي أين كنتم عندما باعوا وطني؟ قل لي كيف رضيتم بمثل هذا البيع، هل كنتم تعانون من الفقر حتى اضطررتم لمثله، أم هو الفساد الذي كنا نسمع عنه، أم جشع التجار والسطلة، أم شيءٌ آخر”

نظر إليها حميد نظر المشفق، قال لها: “إذا كان ولا بد أن تسمعي الحكاية، كل الحكاية، فاحضري لنا الشاي وقليل من المكسرات، فهناك ليلٌ طويل سنقضيه معاً نحكي فيه بعض ما حدث في تاريخ إمارة تقع على خليج، كان يُعرف يوماً ما بالخليج العربي …

فعلاً ذهبت مهرة، إلى المطبخ مسرعة، لتقوم بإعداد الشاي وجلب المكسرات لتسهر مع والدها وتسمع عنه قصة “القانون المشؤوم” الذي كان بداية بيع وطنها، عادت وفي يدها ما طلب، جلست على سريرها الأبيض المزخرف بأشكال الورد كأنه سرير من أَسِرَّةِ قصرٍ قديم، وكان في انتظارها والدها، يجلس على كرسي خشبي بجانب السرير، يسترجع ذكرياته، يرتب أفكاره، يسأل نفسه، ماذا يقول وهل هناك ما يجب أن يخفيه… هل يسردها تلميحا أم يرويها تصريحاً … تناول شرفة من الشاي:” شكرا على الشاي” قالها بصوت متقطع.  فردت متلهفة:” يالله يا بابا … بسم الله ابدأ، كلي لك أذنٌ صاغية

أخذ نفس عميق وبدأ يحكي تلميحاً كما تروى الروايات القديمة قائلاً: ” كان يا ما كان، كان هناك على الخليج العربي إمارة جميلة، تراب صحرائها أصفر كلون الذهب، تراب شواطئها أبيض مشبع بالحمرة كأنه حباتٌ من الدانة،  الدانة التي سكنت أعماق خليج هذه الإمارة وكانت مصدرِ رزقهم، وأما شعبها فهو شعبٌ عربيٌ أصيل، عُرِف بشجاعته وأصالته وكرمه، يعطي على فقر، ولا يأخذ من حق غيره ولو كان في حاجة، وكان في هذه القرية عشيرةٌ صغيرة، قليلٌ عددها، كثيرةٌ أفعالها، قوتهم من البحر، يدخلونه غدواً، ويعودون عشياً وقد حملوا مما رزقهم الله، سمك مختلف طعمه وشكله ولونه، كانت هذه القرية يا مهرة تسكن بيوت العريش، بيوتٌ يتم تشييدها من سعف النخيل، عاشت هذه القرية سالمةً في سربها آمنة، عندها قوت يومها كفافاً .. وزيادة 

سكت حميد فترة يسترجع أفكاره، وهو يرتشف من الشاي الذي أعدته مهرة .. ينظر إلى البحر الذي يرى أطرافه من بعيد ومهرة تنظر إليه منتظرة باشتياق أحداث حكاية هذه القرية ، لا تستطيع رؤية والدها صامتاً ولو لحظة  .. “نعم يا بابا.. أكمل وماذا حدث بعد ذلك ؟!”  قالتها مسرعة

كان لهذه العشيرة زعيمٌ طويل القامة ذات هيبة، لحيته سوداء كسواد ليل في صحراء بداية شهرٍ قمري، وافق أهله على زعامة عشيرتهم، بشرط أن يحكم بالعدل ولا يغل، ولا يأخذ مال غيره إلا برضاهم، كان الزعيم لأهل العشيرة كراعٍ يرعى لهم بأمانة، لا يضع خيط ابرةٍ في شأنٍ لهم إلا برضاهم، كان القوي الأمين في نظرهم… كان خادماً لهم كما يرى نفسه، ” فسيد القوم يا مهرة خادمهم”. 

لم تتغير اتجاه نظرات حميد، أكمل حديثه وهو ينظر من خلال النافذة إلى البحر: “يا مهرة، قبل ما يقارب الثمانين سنة أكرم الله أهل هذه العشيرة بمناجم في البر والبحر، يُستخرج منها الذهب بغير عناء، ذهبٌ ليس كالذهب، لونه أسود، قيمته عالية، وحاجة الناس له كبيرة، كبرت العشيرة، كبرت مالاً و كبرت عدداً، لم ينسى أهلها فضل الله عليهم، فعم خير العشيرة على البعيد والقريب وسعِد الناس بهذه المناجم وقالوا هذه مكرمة الله لهم يجب عليهم رعايتها بما يستوجب شكر الله ورضاه ومن أجل أن تحفظ هذه النعمة للأجيال التي تأتي من بعد .. من أجل أجيالكم أنتم يا مهرة

ولانشغال أهل القرية في البحر، عهِد أهلها لزعيمهم العناية بمناجمهم، وإدارتها وتمثيل أهل المدينة أمام الشركات المستثمرة، وحدد أهل القرية لزعيمهم مصارف انفاق عائدات مناجمهم، وبسبب قلة عدد أهلها وقلة خبرتهم، كانوا في حاجة لمن يساعد في بناء إمارتهم الوليدة الصغيرة، أصبحت هذه القرية مقصداً للغرباء، تضاعفت أعدادهم أضعافاً عديدة في سنوات قليلة، كان الغرباء يقصدون القرية من أجل العمل على أن يعودوا إلى البلاد التي قدموا منها فور انتهاء عملهم ولكن أعجبتهم القرية، شعروا فيها شعور الإنسان في وطنه، وشعروا بأن شباب هذه القرية لهم أخوة وتعامل شيبانها معهم معاملة الأب لابنه، فاستقروا فيها لفترات طويلة، استقدموا إليها زوجاتهم، وانجبوا فيها أبنائهم، وأسسوا فيها مدارس بمناهج أوطانهم التي قدموا منها ومن تسامح أهلها – الصفة الأصيلة لأهل هذه القرية – سمحوا للغرباء بناء دور لعبادتهم

قالت مهرة لوالدها:” وما المشكلة في هذا، الغريب يقدم لك خبرته وأنت تعطيه حقه في عبادة ما شاء وتوفير التعليم المناسب؟!”

المشكلة يا مهرة حدثت بعد ذلك .. بسبب رغبة البعض في الشهرة و طمع آخرين، ومن أجل أن يقال له: إنه الزعيم الذي حرث البحر” قام ببناء بر المدينة وبحرها فوق حاجة أهل القرية وفوق استطاعتهم وعكس رغباتهم، ولم يكفيه ريع مناجم الذهب الأسود، فقام باستدانة أموال من بنوك أجنبية ليشبع شغفه، وتصرف وكأن لن يسكن في المدينة بعده أحد، ولن يأتي لأهل هذه القرية أبناء جدد، ولم يحسب حساب الأجيال القادمة، أجيالكم أنتم يا مهرة، وحيث أن هذه المدن أكبر من احتياجات أهل هذه القرية، قام باستقدام غرباء جدد، لكن ليسوا كالغرباء الأوائل الذين عمروا القرية بمساعدة أهلها ولهم الشكر على ذلك … الغرباء الجدد لم يأتوا للمساهمة في بناء القرية وإنما ليمتلكوها ..  الغرباء الجدد قدموا من بلادهم لإدارة اقتصاد القرية فتحكموا فيه، ومن يملك اقتصاد أي قرية يا مهرة يصبح هو الآمر باسم سيدها، استوطن الغرباء هذه القرية … استوطنوها حتى اصبحوا هم الكثرة و الأغلبية و أصبحنا فيها قلة غرباء .. غرباء على العادات الجديدة التي أصبحت هي عادات ذلك البلد …حتى أتى اليوم الذي خرجت في هذه المدينة من سيطرتنا وأما الشعرة التي قصمت ظهر البعير كما يقال هو عجز الزعيم عن سداد ديونه التي ورط فيها القرية وأهلها وأصبحنا رهنا للدائن، حتى أتى اليوم الذي قام ببيع قطع جديدة من أوطانكم ليسدد ديونه القديمة وكل ما سمعنا أن هناك أراضٍ جديدة للبيع، أدركنا أن هناك ديون حان وقت استحقاقها  حتى لم يبقَ لكم في ذلك الوطن قطعة أرض “

وأين كُنتُم أنتم … لماذا لم تقفوا في وجه هذا البيع؟ لماذا لم تحافظوا على ارضكم وأرض ابنائكم“.. سألته مهرة

“هذه حكاية طويلة يا مهرة، حكاية أخرى وغدا هو بداية امتحاناتك الدراسية … أعدك أن لحديثنا جلسة اخرى

قبلها على رأسها وقبلته وخرج مودعاً ، وبقيت مهرة تنظر الى القمر باتجاه الشرق ..

انتهى