لا تقطع سبيل المعروف

تمهيد .. 

حكاية مستوحاة  .. من قصة فتاة

عاشت كالشمعة ..

تحرق نفسها لتنير للأخرين الطريق ..

رغم ذلك

كانت ترسم ابتسامة على وجهها .. أحياناً

لترى انعكاس ابتسامتها على وجه والدتها .. السبعينية

التي قالت عنها يوماً ..”أنتِ أغلى ما في الوجود”

إنها علياء عبدالنور يا سادة

علياء ..

التي رفض السجان الإفراج عنها رغم مرضها .. حتى توفيت في مستشفى توام ..

هنا البداية  .. 

يوم الثلاثاء الثالث من شهر مارس من سنة ٢٠٠٨ ، استيقظت من نومها مبتسمة لتستعد للذهاب بصحبة والدتها إلى المستشفى الذي تتعالج فيه من مرضٍ عاش في جسدها النحيل ٤ سنوات، وفي  الطريق قالت: “اتعبتكِ معي يا أغلى ما على هذه الأرض، ٤ سنوات وأنتِ ترافقيني لأخذ جرعة العلاج ولسانك لا يفتر يردد الذكر والدعاء و والله يا أمي إني أشعر بفائدة دعائك أكثر من فائدة العلاج الذي يدخل في جسدي ولولا أن الله أمرنا بأخذ الأسباب البشرية لاكتفيت بدعائك .. أنت أغلى ما تراه عيني” 

فردت: “أنا يا بنيتي يدك التي تمسح دمع عينيها“…ثم صمتت لتتمتم بالذكر وتلهث بالدعاء راجية من الله أن تسمع اليوم ما يسرها

دخلوا المشفى وكان في استقبالهم الممرضة الخاصة التي تتابع خطة علاجها مبتسمة قائلة:”يومك اليوم ليس كباقي الأيام يا علياء

” أتمنى أن يكون كذلك” .. ردت علياء ..

هيا بنا فالطبيب بانتظارك، لنستعلم منه عن نتائج الأشعة الأخيرة” قالت لها الممرضة

مشت علياء على عجل تسابق خطوها، لا أعلم إن كانت متلهفة لمعرفة النتائج بسبب شعورها بالتفاؤل أم أنه شعورٌ بأنه شيء لا بد منه، وترغب بانقضائه.

وأما والدتها فكانت تقدم خطوة وتأخر أخرى خائفة قلقلة تساءل نفسها هل ستبقى لي بنيتي أم أن أيامها القادمة هي الأخيرة .. تصمت لحظة ثم تقول “لطف الله أسبق” …

وصلوا إلى باب غرفة الطبيب، طرقت الممرضة الباب، ثم دخلوا، كان الطبيب في مكالمة هاتفية وأشار إليهم بيده أن اجلسوا…

أنهى المكالمة ، ثم التفت إلى والدتها قائلاً: “ما بك يا خالة، يبدو عليك قلقاً لا أراه على ابنتك

أنا أم، واحسب أنك تعلم شعور الأم يا دكتور

وعلياء تسمع الحديث بينهما حتى قال لها الدكتور:” أبشري يا أم علياء، فلا حاجة لعلياء بأن تأتي هنا بعد اليوم، فضل الله ثم جَلَدُ علياء وصبرك و دعاءك تكفلوا بالقضاء على المرض .. علياء بخير يا خالة

لم تعلم أم علياء ماذا تعمل، شعرت بأن رجلها لا تحملها من شدة الفرح، الفرح بهذا الخبر الذي نزل عليها كما ينزل الماء البارد على القلب، خرت ساجدة لله شاكرة وكذلك فعلت علياء.

شكرت علياء الطبيب على رعايته لها فقال :”ما أنا إلا سببٌ هيأه الله لك

خرجت من عنده مستشعرة نعمة الله التي لم تفقدها حتى أثناء علاجها، نعمة الله باستشعار أجر الابتلاء فليس كل إنسان يشعر بهذه النعمة، هناك من يعتبر الابتلاء مصيبة ومحنة وهناك من يعتبره فرصة ومنحة، لان الابتلاء في نظرهم يصفي علاقة العبد بربه ويفقد الإنسان الأمل إلا الأمل بواهب المنح ويقطع السبل إلا بالله وهكذا كانت علياء

خرجت من المشفى ليس كما دخلته قبل أربع سنوات، مصممة على النظر إلى الحياة بطريقة مختلفة، وأن تهب من نفسها ووقتها لمساعدة المحتاجين والمبتلين فهي تعلم كما أن هناك ابتلاء بفقد الصحة، هناك ابتلاء بفقد المال وعجز الحيلة، عاهدت نفسها أن تكون ساعية في النظر خلف حاجات الناس حتى أصبحت مقصداً لمن يبحث عن الإعانة وكذلك مقصداً لمن يريد أن يعين..

مرت الأيام والشهور والسنوات وهي تفعل الفعل نفسه، حتى أتى اليوم الذي أصبح فيه شعب بلاد الشام بين قتيل وشريد، ورأت هي كما رأى الكثير من أبناء قريتها أن هؤلاء الناس أمس الحاجة إلى الإعانة ، والسعي لسد حاجاتهم هو من أوجب الواجبات وكذلك كانت تفعل، تجمع المال لهم وترسل…. ولم تكن تعلم أن لظالم شعب الشام أعوانٌ في قريتها، يحاربون من يعاونهم ( المشردين) ويدعمون من يسانده ( الظالم)

***

وفي ليلة من ليالي الصيف الطويلة من سنة ٢٠١٥ ، ومع آذان صلاة العشاء طرق باب بيتها زوار الليل، ١٤ رجلٍ ومرآتان وعدد من الكلاب البلوسية، دخلوا الباب دون أن يؤذن لهم، لم تعط علياء الفرصة لترتدي حجابها، فقالت لهم أم علياء: “من أنتم، ماذا تريدون؟!”

 لم تسمع إجابة ولكنها رأت الإجابة، كان الزوار يبعثرون كل شيء ويكسرون كل شيء يكسر ، لم تعلم علياء و والدتها لماذا يفعلون ذلك، فقالت لهم: “عّن ماذا تبحثون:؟ فقالوا لها: “أين هاتفك؟”

 فأشارت بيدها إلى الطاولة في زاوية المنزل وقالت: “هو هناك، في درج تلك الطاولة“.. ذهبوا إلى الطاولة، فتحوا الدرج  … وجدوا ضالتهم.

أخذوا معهم الهاتف وكذلك اخذوا علياء، مقيدة اليدين والرجلين، مغمضة العينين بقطعة من القماش ليمنعوا قدرتها على الرؤية، اقتادوها إلى إحدى السيارات السوداء، التي كانت مجهزة لاقتياد المجرمين، أخذوها إلى غرفة صغيرة لا تعرف مكانها، ولا تعرف كم يبعد هذا المكان من منزل والدتها التي كانت مصدومة من هول ما حدث، تسأل نفسها من هؤلاء الناس الذين اختطفوا ابنتها أمام عينيها،  هل كانوا رجالاً من عصابة متخصصة بخطف الناس أم هم فعلاً كما يدعون مجموعة من رجال الأمن، الذين لم يكن لهم من اسمهم نصيب فكانوا ينشرون الرعب والخوف لا الأمن والسلام… استمرت هذه الغيبة ثلاثة أشهر، لم تسمع  فيها والدتها صوت ابنتها ولم تعلم ما هو حالها، وهل هي على قيد الحياة أم أن أقدار الله شاءت أمراً آخر …

وأما علياء فكانت في زنزانة انفرادية ضيقة منعزلة عن العالم،  زنزانة لا تتعدى المترين طولاً والمترين عرضا، زنزانة كانت هي غرفة نوم وفي ذات الوقت بيت خلاء، زنزانة لا تدخلها الشمس ولا يدخلها الهواء إلا من خلال الممرات البعيدة، زنزانة جدرانها رمادية اللون وفي سقفها كاميرا ليلية تراقبك حتى وانت نائم وأما اذا سألت عن سرير النوم فكان سريرٌ من أسمنت، في هذه الزنزانة  قضت علياء ٣ أشهر من حياتها

ثم أتى اليوم الذي دخلت عليها عاملة لا تتحدث لغتها، ولم تكن علياء تعرف كيف تتحدث إليها ولكن فهمت منها أنها تريد منها أن تغمض عينيها بقطعة قماش سوداء، ففعلت ،ثم أخذتها معها إلى غرفة أخرى، أجلستها على كرسي ثم انصرفت، وبقيت علياء تنتظر ٣ ساعات متواصلة، لا ترى بعينيها لأنها مغمضة، ولكنها تشعر أن شيئاً غريبا يحدث، وفجأة سمعت صوت الباب يفتح ، ودخلت عليها امرأة تطلق على نفسها “أم حميد”، وكانت مهنتها ” التحقيق” وأما افعالها إهانة الناس والتعذيب ، فقالت:”ها يا علياء، هل يقدمون لك في زنزانتك مكسرات؟” ثم ضحكت بصوتٍ عالٍ ، فقالت علياء: “أنا هنا منذ ثلاثة أشهر، ولا أعلم أين أنا ولماذا أنا هنا ولم أكلم حتى والدتي لأقول لها، أني على قيد الحياة … ماذا تريدون؟!

أنتِ متهمة بدعم جماعات إرهابية خارج الدولة” وبدأت أم حميد تأكل المكسرات وعلياء تسمع صوت المكسرات في فمها

 “جماعاتٌ إرهابية” ردت علياء باستغراب وأكملت” عن أي جماعات تتحدثين، وكيف لي أن أدعم مثل هذه الجماعات التي تتحدثين عنها ” 

” قمتِ في تاريخ ١٣ -٥-٢٠١٤ بإعطاء رجل يعرف بأبي سالم مبلغ ٧٠٠٠ آلاف درهم، لكي يوصلها لجماعة إرهابية في سوريا ” 

ابتسمت علياء وقالت: “وضعتموني في زنزانة انفرادية لثلاثة أشهر ، لا اعرف فيها الليل من النهار، ولم أسمع صوت أمي فيها وأحسب أنكم تعرفون حالتي الصحية، بسبب ٧٠٠٠ درهم وهبتها من مالي لعائلة سورية تشردت بسبب براميل بشار وأعوان بشار، لو سألتموني عنها منذ اليوم الأول لأجبتكم بدون أن اتعرض لهذه المعاناة” 

“عائلة مشردة إذاً” ردت أم حميد بتهكم ” هذه الأموال أرسلتِها لجماعات مسلحة، نحن نعلم ذلك، وهذه عقوبتها حسب القانون ١٠ سنوات في السجن ” 

“لا أعلم اذا كان لديك دليلٌ ماديٌ على أن هذه الأموال كانت لجماعة مسلحة” قالت علياء “ولكن  نعم، كان هذا المال لعائلة مشردة وعندي مقطع فيديو في هاتفي الذي هو عندكم لابنة العائلة الصغيرة تشكرني فيه على هذا المبلغ ، افتحي الهاتف، شاهدي الفيديو بنفسك “

استمر الحوار بهذه الطريقة لساعات متواصلة وعلياء مغمضة العينين مكبلة اليدين  وأم حميد تتهمها بتمويل جماعات مسلحة وعلياء تنفي مؤكدة أن هذا المبلغ لعائلة مشردة حتى قالت أم حميد :” اطالة هذا التحقيق ليس في صالحك ، وقعي على هذه الأوراق التي تؤكد الجناية حتى نحيلك إلى المحاكمة “

“كيف أوقع على جناية لم أفعلها” … قالت علياء” أريد أن أوكل محامي يحضر معي هذا التحقيق وأعتقد أن هذا أبسط حقوقي ” 

“تستطيعين فعل ذلك بعد التوقيع على الأوراق وبعد إحالتك إلى المحاكمة”

“ما الفائدة من المحامي بعد التوقيع“، قالت علياء

“يبدو أنك عصية عنيدة، سيستمر اعتقالك حتى توقعي على هذه الأوراق .. انتهى تحقيق اليوم

انصرفت أم حميد وبقيت علياء ساعة على كرسيها حتى دخلت عليها من يعيدها إلى زنزانتها …

مرت الأيام وعلياء تنظر إلى الجدران الأربعة لا تسمع إلا صوت نافذة صغيرة في باب الزنزانة تُفتح ويقول من فتحها” هنا الطعام”، ويرميه عليها، ذلك الطعام الذي لم يكن صالحاً لأكل البشر وإنما كأنه بقايا من طعام البهائم .. واستمرت الأيام في الانقضاء حتى شعرت علياء بألم في صدرها كالألم الذي كانت تشعر به عندما كانت تتعالج من مرض السرطان قبل ٧ أعوام، ولم تكن تعلم ماذا تفعل، لأنها لا تحدث أحداً ولا تسمع صوت أحد إلا صوت مقدم الطعام فقالت في نفسها:“سأمسك يده، وأخبره لعل في قلبه من الرحمة ما يكفي ليرسل رسالة إلى من يستطيع إخراجي من هنا إلى المستشفى ليقوم بالفحص اللازم قبل أن ينتشر المرض في جسدي، إن كان ذلك هو المرض فعلا”

و كذلك فعلت، عندما مد صاحب الطعام يده ليرميه في الزنزانة مسكت بيديه وهي لا تراه وقالت:” اشعر بألم في صدري كألم المرض الذي كان فيني عندما تم تشخيصي بالسرطان … اخبر المسؤول رجاءً”

تركها تكمل كلامها، حتى انتهت ثم سحب يده وانصرف بدون أن يعلق وقام بإخبار إدارة الزنازين الانفرادية بما قالت له علياء

 وما مرت إلا ثلاثة أيام دخل على علياء الباب من يعطيها قطعة قماشٍ سوداء وقال لها:” ضعي هذه القطعة على عينيك وسنأخذك إلى المستشفى ولكن اسمك هناك “نور أحمد” وإياك أن تتحدثي بأي شيء مع اَي أحد

أخذوها إلى المستشفى الذي لم يكن بعيداً عن محل زنزانتها وعندما بدأوا بالنزول من السيارة قال لها مرافقها ” أنت نور أحمد ، لا تنسي ذلك” … أومأت برأسها أن أي نعم

عملت الفحوصات بعد أن تحدثت إلى الطبيب بشكل سريع وأعادوها إلى زنزانتها بدون أن تسمع نتيجة الفحوصات

وفي اليوم التالي دخلت عليها عاملة نيبالية ورمت عليها قطعة قماش وأشارت أن ضعيها على عينيك، في هذه اللحظة لم تخرج علياء من زنزانتها وإنما دخلت عليها أم حميد التي عرفتها من صوتها فقالت لها ” الفحوصات الطبية تشير أن المرض عاود جسدك وأنك تحتاجين إلى العلاج ولكن لأن قضيتك مصنفة على أنها أمنية متعلقة بالإرهاب فلا نستطيع إخراجك إلا بعد المحاكمة بعفو من رئيس الدولة

لكني لم أفعل ما تتهموني به” قال علياء ” وأنا أحتاج العلاج قبل أن ينتشر المرض في جسدي، إذا لم يكن في قلبكم عطفٌ علي فعلى والدتي على أقل تقدير

“الحل الوحيد هو أن توقعي على الأوراق التي أخبرتك عنها” قالت أم حميد “وبعدها نحيلك إلى المحكمة لِيُنْظَر في قضيتك وهناك اطلبي العفو الصحي لتتعالجي في المكان الذي تريدين، والتأخير كما تعلمين ليس في صالحك”

وافقت علياء على هذا العرض، وقبلت تحت الضغط أن توقع على جناية لم ترتكبها وأقوالٍ لم تقلها على أمل أن تحصل يوماً ما على فرصة العلاج من مرضها قبل فوات الأوان …

بعد شهرٍ من التوقيع، أحيلت علياء إلى المحكمة، لتقف ماثلة أمام القاضي الذي لا يملك أي دليل على جناية علياء إلا الورقة التي وقعتها في زنزانتها، ووقف على شمالها محامي عينته المحكمة ليدافع عنها، هذا المحامي الذي لم ير علياء إلا في المحكمة وما هي إلا ساعاتٌ حتى قام القاضي بحجز قضيتها للنطق بالحكم الذي كان عشر سنوات سجناً

في الحقيقة،  كانت علياء سعيدة، لأنها كانت على دراية أن الحكم عليها واقع لا محالة، وأن المحكمة والمحاكمة والقاضي والمحامي ما هو إلا ضرورة شكلية حتى تخرج العقوبة بشكلٍ قانوني، ولكنها كانت على أمل أن تحصل على “عفو” بعد النطق بالحكم لتتعالج من مرضها، انتهت المحكمة وأحيلت علياء إلى سجن مع مجرمي المخدرات والقتل وقضايا الشرف، لم تكن زنزانتها في هذا السجن أفضل من زنزانتها السابقة إلا أن في هذا السجن آناس كثيرين ولكن قالت في نفسها تصبر نفسها: “أيام وسيأتي العفو وسأخرج “…

مرت الأيام التي كانت تعدها وكذلك مرت الشهور ولم تسمع علياء عن العفو الذي وعدته أم حميد شيئا ، وشعرت أن الألم يزداد و أن كل ما مرت الأيام كل ما اقتربت من خطر الموت، ولم تكن علياء حتى ذلك الوقت أخبرت والدتها بعودة المرض في جسدها خوفاً عليها من الحزن، الحزن الذي يكون أحياناً سبباً في فقد الانسان بصره وأحياناً حتى موته وقالت في نفسها: “أستطيع أن أصبر على ألم نفسي ولكن لا أستطيع ان أصبر على رؤية الحزن في وجه أمي” 

 ولكن أتى اليوم الذي لم تقوى فيه على المرض الذي أكل من جسدها حتى سقطت مغمية في سجنها فقام المساجين بسرعة إخبار إدارة السجن ليأخذوها إلى مستشفى المفرق الذي قام بمعاينتها ورأى حالتها خطيرة وأنها بحاجة إلى البدء بعلاج كيماوي مباشر غير متوفر لديهم، و قاموا بإخبار والدتها التي ذهبت مسرعة إلى المستشفى لتنظر إلى ابنتها التي كانت يدها مقيدة بالسرير وكانت لا تستطيع الوقوف إلا بمساعدة الممرضة وطلبت أم علياء بسرعة إخراج ابنتها لكي تتعالج في المستشفى المناسب، ولكن قال لها الطبيب المسؤول: “ابنتك يا خالة عليها حكم قضائي، ارسلي طلبك الى النائب العام”، ففعلت مرات عديدة، لكن الرفض كان هو الإجابة الوحيدة.

اشتد المرض على علياء، أصبح الإغماء رفيقاً لها أيّام طويلة، أصبحت حالتها ميؤوسٌ منها طبياً حتى انتشر المرض في جسدها، وصل الرئة والعظام، حينها دخل عليها مندوب النائب العام قائلاً” تريدين العلاج في الخارج ” أشارت برأسها أي نعم. فقال “اكتبي رسالة استرحام إلى صاحب السمو

نظرت علياء إليه نظرة ازدراء، نظرة لم تقوى على مثلها إلا أن القهر في صدرها كان وقود تلك النظرة فقالت:” أعطني الورقة والقلم”  … ففعل

فبدأت علياء بالكتابة:” إلى صاحب السمو، اكتب لك هذه الكلمات وأنا طريحة الفراش بعد صراع مع المرض دام ثلاث سنوات، تم فيها سجني بسبب معروفٍ فعلته لعائلة فقيرة، لا يجمعني بهم إلا الإنسانية ولا يدفعني لمثل هذا المعروف إلا شعوري بالمسؤولية، ومع ذلك تمت معاقبتي بحرماني من الحرية ومن تلقي العلاج المناسب، واشتد بي المرض واشتد على أمي الحزن فقالوا لي أن اكتب لك رسالة عفوٍ واسترحام حتى أحصل على حقي في العلاج، وها أن أكتب لك، ولكن ليست رسالة استرحام و إنما رسالة من امرأةٍ مقبلة على الموت واعلم يا صاحب السمو أنه لا يضرني مواجهة الموت وحدي، هذه رسالتي لك أقول في نهايتها: لا تقطع سبيل المعروف بين الناس ..  والسلام  “

انتهى

١٤-٢-٢٠١٩

***

استطراد: 

1) تم نقل علياء إلى مستشفى توام في مدينة العين في تاريخ ١٠-١-٢٠١٩ على بعد ٢٠٠ كيلو متر من بيتها الذي ترعرعت فيه، بعيدة عن أهلها محرومة من زيارتهم إلا ما ندر وذلك بعد أن رفضت النيابة العامة جميع طلبت العفو الصحي عنها …

٢) آنتقلت علياء عبدالنور إلى رحمة الله تعالى في يوم ٤-٥-٢٠١٩ بعد صراع مع المرض في مستشفى توام و هي محرومة من زيارات أهلها و تعامل كمعاملة السجينة .. توفيت علياء وهي تدعوا على من ظلمها ومن عوان ظالميها