الرحلة التي لم تقلع

تمهيد …

أزعم أن رضاها من أكبر أبواب الجنة

وأن تراب الجنة تحت قدميها

أمي … إليها …

وإلى كل أم تظن أنها فقدت ابناً بموته

أهدي هذ

هنا البداية …  

إنه يوم الاثنين، الثاني من كانون الثاني سنة ١٩٨٤، رأت فاطمة فيما يراه النائم في نومه، أن صوتاً يقول لها من مكان بعيدٍ لا تعرف مصدره، ” سيموت بعد خمسة أيام”، فانتبهت فزعة قلقة من هذا الكابوس الذي يبشرها سوأً بموت قريب لها، ذهب عقلها مباشرة إلى ابنها الثاني أحمد الذي أكمل الثالثة والعشرين قبل عدةِ أيام من منامها المفزع، كان أحمد يعمل ضابطا في الجيش ، يقطع كل يوم جمعة بسيارته مئتان كيلو متر حتى يصل إلى عمله، وكان اليوم الخامس من منامها سيكون يوم الجمعة الذي جعلها في محلٍ لا تحمل فيه مكاناً للشك أن الصوت في تلك الرؤيا – أو في ذلك الكابوس – كان يعني أحمد.. وأن وسيلة موته ستكون تلك السيارة التي ستقلُّه في ذلك اليوم إلى عمله

مرت الأيام بطيئة ثقيلةً جداً على فاطمة، كأن اليوم الواحد هو ثلاثة أشهر من شدة ثقله، تفكر في السبب خلف تلك الرؤيا، هل يجب عليها أن تفعل شيئاً لتمنع الموت عن أحمد، أم إنه واقعٌ لا محالة والصوت هو ليهيئها لما هو قادم، فكرت ودبرت وقالت سأمنعه من الذهاب إلى عمله، سأجعله يجلس في غرفته لن أدعه يخرج أبداً حتى أحميه من الموت، ونسيت أن رحلة الموت عندما تأتي لا تطرق باباً ولا تستأذن في الدخول، غابت فاطمة العاقلة من هذا المشهد، وحضرت فاطمة الأم التي تظن أن لديها القدرة لتفعل غير الممكن لتحمي ابنها من سوء ما هو قادم …

وفي صبيحة اليوم الخامس استيقظت فاطمة من نومها – الذي لم تنمه – على خبر وفاة والدة زوجها، فعرفت أنها المعنية بذلك الصوت وكانت بين فرحٍ لأن موعد رحلة موت ابنها لم تأتِ بعد، وحزنٍ لأن تلك الرحلة اصحبت من نصيب من كانت لها كابنتها واعتبرتها كأمها التي لم تلدها، لكن العشرة التي كانت أكثر من 20 سنة في بيتٍ واحد وتحت سقفٍ واحد كفيلة بأن تجعل هذه الصلة، كصلة البنت بأمها …

وبعد أيام العزاء الثلاثة، زارت فاطمة عمها عبد الرحمن في منزله الصغير وقصت عليه ما حدث من أمر رؤياها، حتى قالت له: كنت أنوي أن أغلق عليه باب الغرفة لأحميه من الموت” فقاطعها مبتسماً:أكنتي تريدين حقاً حمايته من الموت، هل كنتي تظنين أنك قادرة على فعل ذلك، ألم تقرئي قط قوله تعالى: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُم ُالْمَوْتُ وَلَو ْكُنْتُم ْفِي بُرُوج ٍمُشَيَّدَةٍ

فابتسمت وقالت: كأني أسمعها لأول مرة.

يا فاطمة” أكمل العم عبد الرحمن ” هل حقاً تخافين الموت”

لا” ردت فاطمة، “لا أخشاه على نفسي ولكن أخشاه على من أحب

العم عبد الرحمن:”هذا إن دل فإنما يدل على أن فكرتك عن الحياة الخاطئة فلهذا فكرتك عن موتك كذلك

قالت: “لم أفهم المقصد من كلماتك

بعضنا يعتقد أن أيامه التي يعيشها في الدنيا هي حياته، وأنه كلما كثر عدد أيامه، طالت حياته ويجهل أن هذه الأيام من حياةِ الإنسان ما هي إلا حياة البناء لحياة الحصاد”، وبدأ العم عبدالرحمن يشرح فلسفته في الحياة والموت وفاطمة تصغي وتسمع “لن نصل إلى حياة الحصاد إلا عبر رحلة اجبارية مدفوعة الثمن، لا نعلم وقتها ولا نعلم مكان إقلاعها، ولكن نعلم أننا سنركبها، لنسمي هذه الرحلة إن شئت الموت، أو العبور أو أي شيء أخر فالعبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني

سكت العم عبد الرحمن برهة فبادرته فاطمة قائلة: أكمل أرجوك

” إذا قيل لكِ يا فاطمة أن منزلك الذي شيدتهِ لك ولأسرتك في أقصى المدينة اكتمل، هذا المنزل الذي لا شقاء فيه ولا تعب وأن هناك في ذلك المنزل كل شيء.. نعم كل شيء..  لكن الوصول إلى ذلك المنزل له شرطٌ واحد، يجب عليكم ركوب رحلة فيها مقعد واحد في أوقاتٍ متفرقة كل فترة من الزمن رحلة، فهل يرضيك أن يسافر أفراد عائلتك فرادا على أن تجتمعوا في ذلك المنزل ولو بعد حين

وهل سنجتمع؟ سألت فاطمة

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ” قرأ العم عبد الرحمن الآية ثم سكت برهة، ليعطي فاطمة الفرصة.. لتفكر

وهذا يعني؟ “سألت فاطمة

هذا يعني أن الله تبارك وتعالى ليرفع ذرية المؤمن في درجته، وإن كانوا دونه في العمل، ليقر بهم عينه وليجتمعوا به ويجتمع بهم.. الموت يا فاطمة ليس هو الفراق وإنما هو بوابة العبور إلى حياة الحصاد حيث الأبدية والسعادة المطلقة، والفراق الحقيقي هو من اختلف دينه عن دينك، لأنه مفارقك لا محالة في حياة الحصاد وإن اجتمعتم في حياة البناء

كلامك يا عم عبد الرحمن أراني ما لم أكن أراه” ثم استطردت فاطمة “ماذا عنّا تحت الأرض، كيف سنعيش هذه الوحشة

ابتسم العم عبد الرحمن ثم قال: “يبدوا لي من سؤالك أنك تجهلين من أنتِ؟”

ماذا تقصد” سألت باستغراب وعلامات الدهشة على وجهها؟

” الذي تحت الأرض ليس أنتِ إنما هو الجسد الذي انفصلتِ عنه، عندما أصبح غير قادرٍ على مواصلة البناء لحياة الحصاد، الجسد يا فاطمة هو أمانة الله لنا، منحنا إياه حتى نستخدمه في حياة البناء، بمواصفات تتناسب مع هذه الحياة، هو هبة الله لنا فيجب علينا شكر الله عليه بالعناية به واستخدامه كما أمر وتجنيب هذا الجسد عن ما نهى الله عنه… وحتى اقربكِ من المعنى أكثر، تخيلي أنك في المدينة تستخدمين سيارة جميلة، ستكون هذه السيارة وسيلتك في المدينة حتى تصاب بعطلٍ غير قابلٍ للإصلاح ، حينها سترتجلين عنها … هذه السيارة هي الجسد الذي نستخدمه في حياة البناء حتى يصاب بعطلٍ غير قابلٍ للإصلاح حينها نرتجل عنه ونعود من حيث أتينا ويعود هو حيث أتى، فلا تبالي إذا وقع تحت الأرض لأنك حينها ستكونين في السماء مع من سبقوكِ من المؤمنين وعند البعث سيمنحك الله جسدا يتماهى مع حياة الحصاد

وهل سيمنحنا الله جسداً مختلفاً عن هذا الجسد الذي نستخدمه الآن”تسأل فاطمة

نعم، بكل تأكيد” أجاب العم عبد الرحمن ” فالسيارة التي تصلح للمدينة لا تصلح للصحراء وكذلك الجسد المخلوق لحياة البناء، لا يصلح لحياة الحصاد، فجسد أهل النار يتبدل جلده فهو مختلفٌ عن أجسادهم في الدنيا وكذلك أهل الجنة، يدخلون بجمال يوسف ومسحة آدم وقلب أيوب كما أخبرنا من لا ينطق عن الهوى ونحن لسنا كذلك في الدنيا .. يا فاطمة لن نستطيع أن نستمتع في الجنة بهذا الجسد، فهو أصغر من أن يستوعب نعيمها” 

دخل كلامك قلبي يا عم عبد الرحمن” قالت فاطمة، ” وجعلني أنظر إلى الموت أو الرحلة الإجبارية بنظرةٍ مختلفة” 

تصالحي مع الموت يا فاطمة” قال لها العم عبد الرحمن” فالذي لا يفهم الحياة لا يفهم الموت، الموت ليس هو الوحش الذي سيفترسنا وإنما هو الرحلة التي سنركبها، هي رحلتنا للخلود والنعيم، ما عليكِ إلا أن تؤمني بالله وحده”

خرجت فاطمة بعد أن شكرته، وكلماته تتردد في أذنها، “تصالحي مع الموت يا فاطمة، الموت بوابة العبور إلى الخلود، حيث النعيم الأبدي”.. وهكذا تتردد الكلمات.

***

مرت الأيام سريعاً، مرت أربع وثلاثين سنة من حادثة رؤيا فاطمة، كبر فيها أحمد كما يكبر الصغار، تدرج في عمله حتى نال ما يتمناه أي شاب، كان أحمد عريض المنكبين مما زاده هيبة ووجاهة، بليغ الكلام ذو منطق مستقيم، مما زاده حكمة

وفي تاريخ ٢٧-٧-٢٠١٨ في مكان بعيدٍ جداً من مسقط رأسه، بالتحديد في مرتفعات أوربا الشمالية “صافح أحمد الموت ممسكاً بتذكرة رحلته”، رحلته التي ستنقله للخلود، لحياة الحصاد، وعندما وصل الخبر لفاطمة تذكرت العم عبد الرحمن، تذكرت كلماته.. فلسفته في الحياة والموت، تذكرت ما عاهدت نفسها به، وذهبت إلي حيث يرقد أحمد متماسكة لتلقي عليه النظرة الأخيرة في حياة البناء، فرأته مبتسماٍ فبادلته الابتسامة بابتسامة وناجت من في السماء عرشه وهي ترسل نظراتها إلى جسد أحمد ” يا رب .. اشهدك أني راضية عن ولدي أحمد فارض عنه، يا رب اشهدك أني راضية عن ولدي أحمد فارض عنه” وخرجت وهي تقول لنفسها في نفسها: إنها رحلة أحمد … الرحلة التي حدَّثني عنها العم عبد الرحمن رحمه الله، وما دمت أنا في حياة البناء، فسأواصل البناء، أكثر وأكثر، من أجل أحمد وأخوة أحمد ومن أجلي أنا فإن الله وعدني بأن يلحقهم بي، قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ”

انتهى